الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
173
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وتنوين كُلٌّ في قوله : وَكُلٌّ مِنَ الْأَخْيارِ عوض عن المضاف إليه ، أي وكل أولئك الثلاثة من الأخيار . وتقدم ذكر اليسع في سورة الأنعام ، وذكر ذي الكفل في سورة الأنبياء . [ 49 - 52 ] [ سورة ص ( 38 ) : الآيات 49 إلى 52 ] هذا ذِكْرٌ وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ لَحُسْنَ مَآبٍ ( 49 ) جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوابُ ( 50 ) مُتَّكِئِينَ فِيها يَدْعُونَ فِيها بِفاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ وَشَرابٍ ( 51 ) وَعِنْدَهُمْ قاصِراتُ الطَّرْفِ أَتْرابٌ ( 52 ) هذا ذِكْرٌ جملة فصلت الكلام السابق عن الكلام الآتي بعدها قصدا لانتقال الكلام من غرض إلى غرض مثل جملة : أما بعد فكذا ومثل اسم الإشارة المجرّد نحو هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ ص : 55 ] ، وقوله : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ [ الحج : 30 ] ، و ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ، في سورة الحج [ 32 ] . قال في « الكشاف » : وهو كما يقول الكاتب إذا فرغ من فصل من كتابه وأراد الشروع في آخر : هذا وقد كان كيت وكيت اه . وهذا الأسلوب من الانتقال هو المسمى في عرف علماء الأدب بالاقتضاب وهو طريقة العرب ومن يليهم من المخضرمين ، ولهم في مثله طريقتان : أن يذكروا الخبر كما في هذه الآية وقول المؤلفين : هذا باب كذا ، وأن يحذفوا الخبر لدلالة الإشارة على المقصود ، كقوله تعالى : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ [ الحج : 30 ] ، أي ذلك شأن الذي عملوا بما دعاهم إليه إبراهيم وذكروا اسم اللّه على ذبائحهم ولم يذكروا أسماء الأصنام ، وقوله : ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ ، أي ذلك مثل الذين أشركوا باللّه ، وقوله بعد آيات هذا وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ [ ص : 55 ] أي هذا مآب المتقين ، ومنه قول الكاتب : هذا وقد كان كيت وكيت ، وإنما صرح بالخبر في قوله : هذا ذِكْرٌ للاهتمام بتعيين الخبر ، وأن المقصود من المشار إليه التذكر والاقتداء فلا يأخذ السامع اسم الإشارة مأخذ الفصل المجرّد والانتقال الاقتضابي ، مع إرادة التوجيه بلفظ ذِكْرٌ بتحميله معنى حسن السمعة ، أي هذا ذكر لأولئك المسمّين في الآخرين مع أنه تذكرة للمقتدين على نحو المعنيين في قوله تعالى : وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ في سورة الدخان [ الزخرف : 44 ] . ومن هنا احتمل أن تكون الإشارة ب هذا إلى القرآن ، أي القرآن ذكر ، فتكون الجملة استئنافا ابتدائيا للتنويه بشأن القرآن راجعا إلى غرض قوله تعالى : كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ مُبارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آياتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ [ ص : 29 ] . والواو في وَإِنَّ لِلْمُتَّقِينَ إلخ ، يجوز أن تكون للعطف الذكري ، أي انتهى الكلام